الشيخ الأميني
198
الغدير
ومن استشف الحقيقة من هذا الموقف علم أنها قضية شخصية لا تعد قصة تبوك لما كان صلى الله عليه وآله يعلمه من عدم وقوع الحرب فيها ، وكانت حاجة المدينة إلى خلافة مثل أمير المؤمنين عليها مسيسة لما تداخل القوم من عظمة ملك الروم ( هرقل ) وتقدم جحفله الجرار ، وكانوا يحسبون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحشده الملتف به لا قبل لهم به ، ومن هنا تخلف المتخلفون من المنافقين ، فكان أقرب الحالات في المدينة بعد غيبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يرجف بها المنافقون للفت في عضد صاحب الرسالة ، والتزلف إلى عامل بلاد الروم الزاحف ، فكان من واجب الحالة عندئذ أن يخلف عليها أمير المؤمنين عليه السلام المهيب في أعين القوم ، والعظيم في النفوس الجامحة ، وقد عرفوه بالبأس الشديد ، والبطش الصارم ، اتقاء بادرة ذلك الشر المترقب . وإلا فأمير المؤمنين عليه السلام لم يتخلف عن مشهد حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا تبوك ( 1 ) وعلى هذا اتفق علماء السير كما قال سبط ابن الجوزي في ( التذكرة ) ص 12 . وفي وسع الباحث أن يستنتج ما بيناه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : كذبوا ولكن خلفتك لما ورائي . فيما أخرجه ابن إسحاق بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال : لما نزل رسول الله الجرف طعن رجال من المنافقين في إمرة علي وقالوا : إنما خلفه استثقالا فخرج علي فحمل سلاحه حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله بالجرف فقال : يا رسول الله ؟ ما تخلفت عنك في غزاة قط قبل هذه قد زعم المنافقون إنك خلفتني استثقالا . فقال : كذبوا ولكن خلفتك لما ورائي . الحديث ( 2 ) ومما صح عنه صلى الله عليه وآله حين أراد أن يغزو أنه قال : ولا بد من أن أقيم أو تقيم . فخلفه ( 3 ) . إذا عرفت ذلك كله فلا يذهب عليك أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي . ليس له مغزى إلا خصوص هذه الواقعة ، وليس في لفظه عموم يستوعب
--> ( 1 ) الاستيعاب 3 ص 34 هامش الإصابة ، شرح التقريب 1 ص 85 ، الرياض النضرة 2 ص 163 ، الصواعق 72 ، الإصابة 2 ص 507 ، السيرة الحلبية 3 ص 148 ، الاسعاف 149 . ( 2 ) الرياض النضرة 2 ص 162 ، الإمتاع للمقريزي 49 ؟ ؟ ، عيون الأثر 2 ص 217 ، السيرة الحلبية 3 ص 148 ، شرح المواهب للزرقاني 3 ص 69 ، سيرة زيني دحلان 2 ص 338 . ( 3 ) أخرجه الطبراني بطريق صحيح كما في مجمع الزوائد 9 ص 111 .